السبت، 1 مارس 2014

ولادة حياة

هل أُخبرُكِ بأني رُغمَ الغياب لمْ يُفارق طيفُكِِ خيالي , أراكِ تُحدثيني وتَجولين مَعيَ في كُل مكان تَجلُسينَ عَلى أطراف مكتبي  وتَعبثينَ بأوراقي القديمة كطفلةً مُدللةً تَخلقُ عِطراً خاصاً مِن رائحةَ جَسدها وقِطَع الشُوكولا التي تَتَناولها وأوراق الكُتب الصَفراءِ التي تُحاول العبَث بِها بطريقةٍ مُستفِزة لِلفت انتباهي كدعوةً بريئةً لِمُلاطفتِها .

" أرضُ الحياةُ الذهبية " كَما يُسميها , المَكان الذي جَمع بينَهُما قَبل الرحيل , كَانت تَقفُ فَاتحةً زراعَيهَا للشمسِ , للسماءِ سامحةً للهواءِ أن يُداعبَ الرسالةُ التي تَحمِلُها بَينَ أصَابِعُها , أن يُداعبَ جَسدُها ليتتطاير قَميصُها كاشفاً عن " ظُلماتها الثلاث " المُنتفخة قليلاً ولتُلامسَ سنابلُ القمح " الحيةُ دائماً " , كأنها تُقبلُ جَنينها النابضُ داخِلُها ويُذكِرُها بأنهُ مَنَحها الحياة كَما وعَدها

" ها هي الشمسُ تَمُوتُ غارقةً في البحرِ تَاركةً سَنابلُ القَمحَ وحيدةً خَائفةٌ مِنَ المَوتِ إن لَمْ تَعُد لَها غداً أُنظُر كَيف انحنت كيف تَخلى عَنها بَرِيقُها الذهبي وصَبغها لونَ الغروب كَأنها تَنزفُ قطرات دمٍ مُعلنةً استِسلامُها للموتِ , أشعُر بالحُزنِ لأجلِهَا , نظرَ إليها نظرةً فتسربَ إليهِ شُعاعاً ولِدَ مِن بَريق عينيها الواسعتان , فأحاطَها بِذراعيهَِِ وأخذَ يستنشقُ فَواحَ خِصلات شَعرها كَمن يعبئ رئتيه لرحلةٍ قد يطول أمَدُها إلى الأبد , واقتربَ مِن عُنقها أكثر متنهداً : " جَيد أن تَحزني , هذا يَعني أن إحِساسُكِ بما حَولكِ في هذا الكون الواسع مازال على قيدُ الحياة " , تشبثت بذراعيهِ أكثر : " وهل في الحُزن حياة ؟ " .

" الحُزنُ ما هوَ إلا نقيضٌ للفرح وكُل نقيضُ حياةٍ حتى المُوتَ حياة , ألمْ تَصِفي غِيابَ الشمسُ بالموت كَونها غادرت لتمنحَ القمر حياتهِ الآن , وما وصفتهِ بقطرات دمٍ مَا هيَ إلا مَخاضٌ لضوء القمر كدمٍ يُلَطِخُ الجنين ليتعرفَ بعدهُ عَلى نور الحياة , تذكري دائماً أن الحياة مُلك للحياة حتى الموتُ للحياةِ "

ابتسمت قائلةً : " وأنتَ مُلكاً لي " , قبل جَبينُها قَبل أن يستَلقيا على الأرضِ : " أنا لكِ نعم أمَا مُلكاً لكِ فَلا , سَأكونُ رجلٌ لكِ لا مُلكاً لكِ " . عَقدت بين حاجبيها مستفهمةً : " وكيفَ يُحبُ الرجلُ إمرأتهِ إن لَمْ يَكُن مُلكها وحدها لا شريكَ لَها بهِ ؟! " .

أجَالَ بنظرهِ إلى السَماءِ ومِن ثم نَظر إلى الأرضِ وصَمتَ قليلاً : صعبٌ أن يُمتلكَ الحرُ أمَا جسدهُ فنعم أمَا حُبهُ فنعم أما روحهُ فلا , هُنالك مالكٌ آخرٌ غَيرُكِ , تنهدت بدورها مُستنكرةً : " لكن الروحَ أعظمُ مَا يُمكن أن يُمنح في الحُب , أولم يُحبُ الله الأم ليمنحها روحاً تُسمى جَنين؟! , والله قد مَنحكَ لي , " جَعل زراعهُ وسادةً لرأسِها : أجل ولكني سَأمنحُ روحي يوماً مَا أنثى غَيرُكِ , إمراةٌ عظيمة تُسمى الأرض , لم تَفهم ما رمى إليهِ مِن فَحوى كَلامهِ , لكنها إحتَضنتهُ بشدةٍ وكَأنها ترفعهُ عَن الأرضِ غيرةً أو خوفاً مُستَتر , لم تَعلم يَومَها بِما شَعرت لكنِها حَاولت الدفاعَ عَن مَا ظنتهُ مُلكاً لها بصوتها الدافئ : " لكنَ الأرض رجلٌ فَلا تاء التأنيثُ تَمنحُها أُنوثة " , ضَحِكَ عَلى بساطة دفاعها : " الأرضُ أُنثى الرجل , ورجلُ الأُنثى " . رُغم كُل مَاقالهُ أدرك أنها لم تُمسك بخيوط أفكاره فبادرها بقوله : " سأُعطيكِ شيئاً قَبل أن أُغادر غداً لثكنة الجيش مجدداً " , مَدت يدُها " ماذا ستُعطيني ؟ " قبلَ يدُها ومنحَ السنابل حق الشهادةُ على مََا سيحدثُ بينهما وقال : " سأمنَحُكِ حياة " .

وضَعت يَدٌ عَلى بَطنها والأخرى عَلى الأرض , أوفى بوعدهِ كالشمس مَنَحها الحياة حَتى في الغياب , ومَنَح رُوحه  إمراةً أُخرى إسمُها " أرضُ لِبنان " .

هكذا هُم الأبطالُ الشُهداء في جيشُنا اللُبناني , يَرحَلُون عَنا بصمتٍ وحُب وكِبرياء , بعدَ أن يمنَحونا " ولادة حياة " .

 
بقلم : سارة زمط