الجمعة، 5 ديسمبر 2014

الأقنعة المقدسة

هواجس هواجس ، تعيشين داخل هالة من الهواجس ! 
لما نُخبي مشاعرنا وأحاسيسنا داخل هذه الهالة اللعينة ؟ 
لما كل هذا الخوف ؟ ! . 
لا أعتقد أني أعيش أيما هواجس ضاغطة ، كل مافي الأمر أني لا أمتلك أي شعور ، فقط أشعر بتمزق روحي رغم كل ما حصل . 
أرغبتُكِ متطهرة ؟ 
مترهبنة ؟ 
طالما أنها ليست مشاع فالجواب : نعم  ، ليست مُترهبنة ، لكنها مغتسلة بماءٍ مُقدس . 
مُجاراة طُهر عشقُكِ مؤلم لذاتي ، التي تعودت على الحُب الأرضي بكل مدنساته ! . 
إرتقائُكَ لعشقي الروحي سيُطهرُكَ . 
لا أريدُ أن أتطهر ، قد سئمتُ دخول محرابَ قداستُكِ ، وكنيسةُ عشقُكِ .. أنا إبنُ الأرض لحمي ودمي منها ، قد أدمتُ الحياة روحي بأغلالِها . 
لكنكَ يوماً ما لن تُدميني ، على هذا أُقامر الأرض والحياة على تطهيرُكَ . 
ربما تقصدين أُحارب وأُقامر ؟ . 
أكره الإنتصارات السريعة ، لذالك لن أعتبرها حرب ، لأني تعودت عدم الإستسلام والانتصار دائماً .. اعتبرها مُقامرةً كمعرفتي بكَ . 
ستفوزين بِلذةَ عشقُكِ الطاهر ، وستنتهي حياتي كأحد البؤساء العُشاق ، وما أكثرهم هؤلاء أبناء الأرض . 
ما أعظمهم هؤلاء ، وحدهم من بيقيت أرواحهم في الأرض ، وأصواتهم اخترقت صمت السماء .. ألم أقل لك : أنني أسعى لإرتقائُكَ . 

السبت، 1 مارس 2014

ولادة حياة

هل أُخبرُكِ بأني رُغمَ الغياب لمْ يُفارق طيفُكِِ خيالي , أراكِ تُحدثيني وتَجولين مَعيَ في كُل مكان تَجلُسينَ عَلى أطراف مكتبي  وتَعبثينَ بأوراقي القديمة كطفلةً مُدللةً تَخلقُ عِطراً خاصاً مِن رائحةَ جَسدها وقِطَع الشُوكولا التي تَتَناولها وأوراق الكُتب الصَفراءِ التي تُحاول العبَث بِها بطريقةٍ مُستفِزة لِلفت انتباهي كدعوةً بريئةً لِمُلاطفتِها .

" أرضُ الحياةُ الذهبية " كَما يُسميها , المَكان الذي جَمع بينَهُما قَبل الرحيل , كَانت تَقفُ فَاتحةً زراعَيهَا للشمسِ , للسماءِ سامحةً للهواءِ أن يُداعبَ الرسالةُ التي تَحمِلُها بَينَ أصَابِعُها , أن يُداعبَ جَسدُها ليتتطاير قَميصُها كاشفاً عن " ظُلماتها الثلاث " المُنتفخة قليلاً ولتُلامسَ سنابلُ القمح " الحيةُ دائماً " , كأنها تُقبلُ جَنينها النابضُ داخِلُها ويُذكِرُها بأنهُ مَنَحها الحياة كَما وعَدها

" ها هي الشمسُ تَمُوتُ غارقةً في البحرِ تَاركةً سَنابلُ القَمحَ وحيدةً خَائفةٌ مِنَ المَوتِ إن لَمْ تَعُد لَها غداً أُنظُر كَيف انحنت كيف تَخلى عَنها بَرِيقُها الذهبي وصَبغها لونَ الغروب كَأنها تَنزفُ قطرات دمٍ مُعلنةً استِسلامُها للموتِ , أشعُر بالحُزنِ لأجلِهَا , نظرَ إليها نظرةً فتسربَ إليهِ شُعاعاً ولِدَ مِن بَريق عينيها الواسعتان , فأحاطَها بِذراعيهَِِ وأخذَ يستنشقُ فَواحَ خِصلات شَعرها كَمن يعبئ رئتيه لرحلةٍ قد يطول أمَدُها إلى الأبد , واقتربَ مِن عُنقها أكثر متنهداً : " جَيد أن تَحزني , هذا يَعني أن إحِساسُكِ بما حَولكِ في هذا الكون الواسع مازال على قيدُ الحياة " , تشبثت بذراعيهِ أكثر : " وهل في الحُزن حياة ؟ " .

" الحُزنُ ما هوَ إلا نقيضٌ للفرح وكُل نقيضُ حياةٍ حتى المُوتَ حياة , ألمْ تَصِفي غِيابَ الشمسُ بالموت كَونها غادرت لتمنحَ القمر حياتهِ الآن , وما وصفتهِ بقطرات دمٍ مَا هيَ إلا مَخاضٌ لضوء القمر كدمٍ يُلَطِخُ الجنين ليتعرفَ بعدهُ عَلى نور الحياة , تذكري دائماً أن الحياة مُلك للحياة حتى الموتُ للحياةِ "

ابتسمت قائلةً : " وأنتَ مُلكاً لي " , قبل جَبينُها قَبل أن يستَلقيا على الأرضِ : " أنا لكِ نعم أمَا مُلكاً لكِ فَلا , سَأكونُ رجلٌ لكِ لا مُلكاً لكِ " . عَقدت بين حاجبيها مستفهمةً : " وكيفَ يُحبُ الرجلُ إمرأتهِ إن لَمْ يَكُن مُلكها وحدها لا شريكَ لَها بهِ ؟! " .

أجَالَ بنظرهِ إلى السَماءِ ومِن ثم نَظر إلى الأرضِ وصَمتَ قليلاً : صعبٌ أن يُمتلكَ الحرُ أمَا جسدهُ فنعم أمَا حُبهُ فنعم أما روحهُ فلا , هُنالك مالكٌ آخرٌ غَيرُكِ , تنهدت بدورها مُستنكرةً : " لكن الروحَ أعظمُ مَا يُمكن أن يُمنح في الحُب , أولم يُحبُ الله الأم ليمنحها روحاً تُسمى جَنين؟! , والله قد مَنحكَ لي , " جَعل زراعهُ وسادةً لرأسِها : أجل ولكني سَأمنحُ روحي يوماً مَا أنثى غَيرُكِ , إمراةٌ عظيمة تُسمى الأرض , لم تَفهم ما رمى إليهِ مِن فَحوى كَلامهِ , لكنها إحتَضنتهُ بشدةٍ وكَأنها ترفعهُ عَن الأرضِ غيرةً أو خوفاً مُستَتر , لم تَعلم يَومَها بِما شَعرت لكنِها حَاولت الدفاعَ عَن مَا ظنتهُ مُلكاً لها بصوتها الدافئ : " لكنَ الأرض رجلٌ فَلا تاء التأنيثُ تَمنحُها أُنوثة " , ضَحِكَ عَلى بساطة دفاعها : " الأرضُ أُنثى الرجل , ورجلُ الأُنثى " . رُغم كُل مَاقالهُ أدرك أنها لم تُمسك بخيوط أفكاره فبادرها بقوله : " سأُعطيكِ شيئاً قَبل أن أُغادر غداً لثكنة الجيش مجدداً " , مَدت يدُها " ماذا ستُعطيني ؟ " قبلَ يدُها ومنحَ السنابل حق الشهادةُ على مََا سيحدثُ بينهما وقال : " سأمنَحُكِ حياة " .

وضَعت يَدٌ عَلى بَطنها والأخرى عَلى الأرض , أوفى بوعدهِ كالشمس مَنَحها الحياة حَتى في الغياب , ومَنَح رُوحه  إمراةً أُخرى إسمُها " أرضُ لِبنان " .

هكذا هُم الأبطالُ الشُهداء في جيشُنا اللُبناني , يَرحَلُون عَنا بصمتٍ وحُب وكِبرياء , بعدَ أن يمنَحونا " ولادة حياة " .

 
بقلم : سارة زمط


الثلاثاء، 21 يناير 2014

الأمتارُ الاخيرة

يعلمُ أنهُ سيجدُها هُناك تَتَأمل كعَادتِهَا متوحدةًً مَعَ ذاتِها ومَعَ الطبيعة التي تُحب , لكنهُ لَمْ يَتوقع أن يَراها مُستلقيةً على الشاطئ يُعانق جَسدُها المبلل حبات الرملٍ الذهبية , إقترب ليتمدد بنصفِ جسدهُ وينحني بالنصفِ الآخر فوقها هامساً : " رُغمَ بلل الجسد أرى شفاهً ذابلة كصحراءً قاحلة تنتظرُ غيثاً مِنَ القُبل " .

أشارت إليهِ ليقتربَ أكثر وبنفس نبرةَ الصوتِ ردت : " لا يمكن لصحراءٍ أن تحيا بمياهٍ مالحة " .
أبعدتهُ بيدها لتتمكنَ من الإستنادِ على ذِراعيهَا ليصبحَ هو بجانبها مُكملاً مَا ابتدأه من سخافاتهِ التي قطعت عليها حَبل تأمُلها المُحببُ لروحها : " أعجبُ مِن امراةٍ مِثلُكِ تقف أمامي شِبه عاريةً مبللةً تتمتزج مع الطبيعة لتشكلَ لوحةً عجائبية تدعوني سِراً لتأمُلِها وارضائِها وتُكابر على مَنحي قبلة " . نظرت لِما حَولها مُمتَعظةً مِن هذا التدخُل الذكوري النَزق الغير مُرَاعٍ لصفاءِ المنظر وجمالهِ ولحظةَ انسِجامَها مَع عِشقها الأبدي , وبعدَ لحظاتٍ مِن الصمت ابتدرتهُ بِمَا يدورُ في خُلدِها : " أتمنى لو خُلقتُ ورقةً مِن شجر أو قطرةَ ماءٍ أو خيطَ شمسٍ و ظِلالَ قمر لأكونَ مُجردةً مِثلُها مِن كُلِ شيئ مِن الشرِ والذُلِ والعبودية والظُلم والخُضوع والإستسلام ,أن أكون فقط حرة . هذهِ الطبيعةُ مَعصومةٌ مِنَ الشرِ وأسمى مِن كُلِ خَطيئة رُغمَ تعريها ".

هل تعلم بأنَ لِلعري أحياناً قداسة ؟ ! .

زوىَ بجبينهِ مُستفهماًٍ : كيفَ لِلعري قداسة ؟ ! .
أشارت بيدِهَا إلى السماءِ وبِهدوءِ صَوتَها الشجي أسمعتهُ لحناً فلسفي لَم يتوقعهُ مِنَها : " حِينَ ينبعُ السِترُ مِنهُ ، كَعُريَ الشمسِ , ذاكَ اللهبُ يَستُرها فَلا تَعُد تَرى عُريٌ فَاضح , بَل خِماراً بلونِ الحُب , يُغلِفُها خَوفاً مِن أن تَلقَح فَتحملُ بذنبِ نَاظِرُها" .
رَفعَ رأسهُ للشمسِ وكأنهُ يَراها لأول مرةٍ: " ماذَا لَو لمَْ يَكنْ لِهذَا العاشقُ مَكاناً لِلسترِ في قَوامَيسهُ العِشقية " ؟ ! .

جائهُ الجوابً كَصاعقةً هَوت مِن علياء مَنْ طَفحَ بِها الكيلُ : " هذا النوعُ مِنَ العشقِ يحتاجُ لنفسِ الأمتارُ الأخيرة , مَنْ يتعبُ أولاً يخسَرُ كُلَ شيئ " .
كمُتهمٍ مُتردد دافعَ عَن نفسهِ : " لكنهُ عاشقٌ مِنْ لحمٍ ودم , رُبَما سقط في الفخِ مِنْ نظرةٍ لذلكَ العُري " .
رَمت مِنْ يَديهَا حَباتُ الرملِ التي كانت تُداعبهُا ونظرت أليهِ نظرةً لَم يعهدُهَا مِنْ قبل : " لن يكونَ عاشقٌ إن لَمْ يفهم بأنها تُريد أن يَكونَ جَسدهُ لَها سِتراً" .

ابتسمَ ابتسامةً تَنمُ عَن خُبثٍ ! وفي الحقيقةِ هُوَ احتارَ في فَهمِ مَا تَرمي إليهِ . هَلْ هَيَ تُحبهُ فعلاً أم لا !فَانتفضَ واقفاً كَمَن لسعتهُ نارٌ حارقة .نَظرت إليهِ قائلةً : إلى أين ؟ .
أدارَ ظَهرهُ لَهَا مُمتعظاً : " أُحاول أنَ أقطعَ الأمتارُ الأخيرة " ! .
رُبَمَا أصابكِ بعضاً مِنْ نارِ الأشتياقُ مِثلي ! .
حِينَها سَتدورينَ في فَلكي , كَما هذهِ الشمسُ التي تَتَحدثينَ عَنَها .

ابتسَمت بتحدِ الواثق مِن عَدمِ فَهمهِ لِما رَمت أليهِ مِن لهيبَ كلِماتها المبطنة .
" أتَهربُ عَني عِندَ اشتياقُكَ لي ؟ " .
نَظرَ إليهَا وأطالَ التحديق بها وقال جُملتهُ الأخيرة : " لتَتَلهفي عَلي عِندَ هُروبي" .
 
بقلم : سارة زمط