الثلاثاء، 21 يناير 2014

الأمتارُ الاخيرة

يعلمُ أنهُ سيجدُها هُناك تَتَأمل كعَادتِهَا متوحدةًً مَعَ ذاتِها ومَعَ الطبيعة التي تُحب , لكنهُ لَمْ يَتوقع أن يَراها مُستلقيةً على الشاطئ يُعانق جَسدُها المبلل حبات الرملٍ الذهبية , إقترب ليتمدد بنصفِ جسدهُ وينحني بالنصفِ الآخر فوقها هامساً : " رُغمَ بلل الجسد أرى شفاهً ذابلة كصحراءً قاحلة تنتظرُ غيثاً مِنَ القُبل " .

أشارت إليهِ ليقتربَ أكثر وبنفس نبرةَ الصوتِ ردت : " لا يمكن لصحراءٍ أن تحيا بمياهٍ مالحة " .
أبعدتهُ بيدها لتتمكنَ من الإستنادِ على ذِراعيهَا ليصبحَ هو بجانبها مُكملاً مَا ابتدأه من سخافاتهِ التي قطعت عليها حَبل تأمُلها المُحببُ لروحها : " أعجبُ مِن امراةٍ مِثلُكِ تقف أمامي شِبه عاريةً مبللةً تتمتزج مع الطبيعة لتشكلَ لوحةً عجائبية تدعوني سِراً لتأمُلِها وارضائِها وتُكابر على مَنحي قبلة " . نظرت لِما حَولها مُمتَعظةً مِن هذا التدخُل الذكوري النَزق الغير مُرَاعٍ لصفاءِ المنظر وجمالهِ ولحظةَ انسِجامَها مَع عِشقها الأبدي , وبعدَ لحظاتٍ مِن الصمت ابتدرتهُ بِمَا يدورُ في خُلدِها : " أتمنى لو خُلقتُ ورقةً مِن شجر أو قطرةَ ماءٍ أو خيطَ شمسٍ و ظِلالَ قمر لأكونَ مُجردةً مِثلُها مِن كُلِ شيئ مِن الشرِ والذُلِ والعبودية والظُلم والخُضوع والإستسلام ,أن أكون فقط حرة . هذهِ الطبيعةُ مَعصومةٌ مِنَ الشرِ وأسمى مِن كُلِ خَطيئة رُغمَ تعريها ".

هل تعلم بأنَ لِلعري أحياناً قداسة ؟ ! .

زوىَ بجبينهِ مُستفهماًٍ : كيفَ لِلعري قداسة ؟ ! .
أشارت بيدِهَا إلى السماءِ وبِهدوءِ صَوتَها الشجي أسمعتهُ لحناً فلسفي لَم يتوقعهُ مِنَها : " حِينَ ينبعُ السِترُ مِنهُ ، كَعُريَ الشمسِ , ذاكَ اللهبُ يَستُرها فَلا تَعُد تَرى عُريٌ فَاضح , بَل خِماراً بلونِ الحُب , يُغلِفُها خَوفاً مِن أن تَلقَح فَتحملُ بذنبِ نَاظِرُها" .
رَفعَ رأسهُ للشمسِ وكأنهُ يَراها لأول مرةٍ: " ماذَا لَو لمَْ يَكنْ لِهذَا العاشقُ مَكاناً لِلسترِ في قَوامَيسهُ العِشقية " ؟ ! .

جائهُ الجوابً كَصاعقةً هَوت مِن علياء مَنْ طَفحَ بِها الكيلُ : " هذا النوعُ مِنَ العشقِ يحتاجُ لنفسِ الأمتارُ الأخيرة , مَنْ يتعبُ أولاً يخسَرُ كُلَ شيئ " .
كمُتهمٍ مُتردد دافعَ عَن نفسهِ : " لكنهُ عاشقٌ مِنْ لحمٍ ودم , رُبَما سقط في الفخِ مِنْ نظرةٍ لذلكَ العُري " .
رَمت مِنْ يَديهَا حَباتُ الرملِ التي كانت تُداعبهُا ونظرت أليهِ نظرةً لَم يعهدُهَا مِنْ قبل : " لن يكونَ عاشقٌ إن لَمْ يفهم بأنها تُريد أن يَكونَ جَسدهُ لَها سِتراً" .

ابتسمَ ابتسامةً تَنمُ عَن خُبثٍ ! وفي الحقيقةِ هُوَ احتارَ في فَهمِ مَا تَرمي إليهِ . هَلْ هَيَ تُحبهُ فعلاً أم لا !فَانتفضَ واقفاً كَمَن لسعتهُ نارٌ حارقة .نَظرت إليهِ قائلةً : إلى أين ؟ .
أدارَ ظَهرهُ لَهَا مُمتعظاً : " أُحاول أنَ أقطعَ الأمتارُ الأخيرة " ! .
رُبَمَا أصابكِ بعضاً مِنْ نارِ الأشتياقُ مِثلي ! .
حِينَها سَتدورينَ في فَلكي , كَما هذهِ الشمسُ التي تَتَحدثينَ عَنَها .

ابتسَمت بتحدِ الواثق مِن عَدمِ فَهمهِ لِما رَمت أليهِ مِن لهيبَ كلِماتها المبطنة .
" أتَهربُ عَني عِندَ اشتياقُكَ لي ؟ " .
نَظرَ إليهَا وأطالَ التحديق بها وقال جُملتهُ الأخيرة : " لتَتَلهفي عَلي عِندَ هُروبي" .
 
بقلم : سارة زمط